top of page
Search

الأيديولوجيا والمادية: هل هناك واقع خارج المجتمع الاستهلاكي؟


كتب: يوسف محمد

هناك فكرة شهيرة “لجيجيك” الفيلسوف الهيغلي/الشيوعي البارز من سلوفينيا يشير فيها إلى مشهد من الفيلم العظيم ”إنهم يعيشون“ الذي أخرجه جون كاربنتر لشرح الأيديولوجيا. يبدأ المشهد باكتشاف بطل الفيلم بالصدفة نظارة شمسية تسمح له برؤية العالم كما هو، خامًا وغير مفلتر، كاشفًا عن الرسائل والرموز الخفية لفكرة للاستهلاكية والسيطرة على تصرفات و أفعال الشعب. من خلال هذه الاستعارة، يشير “جيجيك” بأن الأيديولوجيا تعمل بشكل مشابه للنظارات الشمسية - من خلال حجب الطبيعة الحقيقية للواقع وتقديم نسخة مشوهة من العالم. من وجهة نظر “جيجيك”، تعمل الأيديولوجيا من خلال تشكيل تصوراتنا ومعتقداتنا، وتقودنا إلى قبول الوضع القائم وترسيخ هياكل السلطة القائمة. فهي تقدم نسخة من الواقع معقمة من خلال الإعلانات ووسائل الإعلام والأعراف الثقافية، وتخفي الأيديولوجيا الآليات الكامنة وراء الرأسمالية وتحافظ على وهم الحياة الطبيعية. وبهذا المعنى، لا تتعلق الأيديولوجيا بإزالة النظارات لرؤية الواقع بشكل أوضح، بل بارتداء النظارات - أي الانغماس في رؤية العالم من دون النظارات تحجب حقائق أعمق. 

                                                                                                    

    سلافوي جيجيك


على الرغم من أنني أتفق مع “جيجيك” بالتأكيد على أن الأيديولوجيا تعمل بطرق غير محسوسة لتشكيل حياتنا اليومية، إلا أن نقطة انطلاقي من “جيجيك” هي أن هناك إمكانية للوصول إلى حقيقة أعمق تتجاوز ما هو محدد بالفعل وبوساطة اللغة والتمثيل الحاليين. في الجوهر، تعمل الأيديولوجيا على مستويات متعددة في آنٍ واحد، وتشكل تصوراتنا عن العالم والأطر ذاتها التي من خلالها نفس الأطر التي نفسر ونفهم الواقع من خلالها. في عالم “جيجيك”، هناك تمييز واضح وثنائي بين الأيديولوجيا والواقع، لكن هذه الثنائية المبسطة تثير أسئلة جوهرية حول طبيعة الواقع نفسه. هل يمكننا حقًا أن نحدد عالمًا من الواقع غير المصفى، غير متأثر بتشوهات الأيديولوجيا؟ ربما يجيب “بودريار” و”دريدا” وكلاهما فيلسوفان فرنسيان بارزان ينتميان عادة إلى ”ما بعد البنيوية“ و”ما بعد الحداثة“  بأن مثل هذا التمييز قد يكون وهميًا، لأن الواقع نفسه متشابك بعمق مع الخطابات والسرديات و الأنظمة الرمزية التي تشكل الأيديولوجيا. في الواقع، إن اقتراح ارتداء النظارات الشمسية للكشف عن واقع غير مصفى ليس مجرد مسألة رؤية منظور مختلف، بل هو في الأساس يسيء تفسير الديناميات المعقدة للأيديولوجيا. فالقيود الهيكلية المتأصلة في نسيج الواقع الاجتماعي تجعل مثل هذا المسعى ميؤوسًا منه. لننظر إلى التأثير المتفشي للرأسمالية الاستهلاكية حيث كل سمة من سمات الوجود مشبعة بالتسليع والاستهلاك. وحتى لو تبنى المرء نظارة شمسية مجازية، فإن رؤيته ستظل محجوبة بسبب مشهد الثقافة الاستهلاكية المنتشر في كل مكان. فالإعلانات، على سبيل المثال، تتخلل مشهدنا البصري، وتملي علينا رغباتنا وتشكل تصوراتنا بطرق خفية وعميقة في آن واحد. ومع ذلك، فإن هذه الإعلانات لا تمثل مجرد تأثير خارجي مفروض على واقع نقي؛ بل هي عناصر مكونة لنسيج الحياة الإجتماعية ذاتها

جان بودريار

  

في الواقع، يصبح فعل ارتداء النظارات الشمسية إذًا تمرينًا في العبث، لأنه يفشل في تجاوز الجهاز الأيديولوجي الذي يشكل إدراكنا عن العالم. وبالتالي، فإن التمييز بين الإيديولوجيا والواقع ليس تمييزًا بين الوضوح والشفافية، بل هو تمييز بين التشابك والتماهي الذي يكشف عن القيود الكامنة في محاولة تمييز واقع غير مصفى داخل حدود الوساطة الإيديولوجية. وسواء كان المشهد الخيالي في فيلم ”باربي“ مصنوعًا عن قصد أو عن غير قصد، فإن المشهد الرائع في فيلم ”باربي“ يلخص تمامًا القوة المتفشية للمادية وتأثيرها على خياراتنا. إن لحظة باربي الحاسمة، الشبيهة بلحظة الحبة الزرقاء والحبة الحمراء، تكشف عن الحضور الشامل للثقافة الاستهلاكية، حيث تصبح حتى أكثر القرارات البسيطة رمزًا لبنيات أيديولوجية أكبر. في هذا المثال المحوري، فإن اختيار باربي بين صندل بيركنستوك وحذاء باربي اللامع الذي يحمل علامة باربي التجارية هو نموذج مصغر للنموذج الرأسمالي الأوسع. وبالفعل، يعكس عالم باربي عالمنا نحن، حيث تتلاشى الحدود بين الخيال والواقع، مما يجعل الاستهلاك وجهًا من أوجه الوجود وسمة مميزة له. ومن ثم، يصبح واقعنا المعيش لا ينفصل عن عالم الاستهلاك الرمزي، حيث تحتل الصور والعلامات الأولوية في بناء وعينا الجماعي. تختزل معضلة باربي في جوهرها التشابك الذي لا مفر منه لأيديولوجية الاستهلاك،  تحول يملي فيه الاستهلاك خياراتنا و إدراكنا للعالم.

جاك دريدا


على وجه التحديد، لا تتعلق الإيديولوجيا بالوعي الزائف أو التلاعب فحسب، بل تتعلق أيضًا بإنتاج المعنى والذاتية ضمن سياقات اجتماعية تاريخية محددة. حتى لو أدركنا الطبيعة المبنية للتمثيلات الأيديولوجية، فإننا سنظل متورطين في إعادة إنتاجها وإدامتها من خلال ممارساتنا وتفاعلاتنا اليومية، وبالتحديد، لا مفر من سلطة الخطاب الأيديولوجي المهيمن.في الحقيقة تنجح الأيديولوجيا في فرض قوة هائلة عندما تتمكن من تقييد البدائل وتحتكر الخطاب المهيمن، مما يخلق رؤية مهيمنة للعالم تبدو البدائل فيها غير قابلة للتصور. في كتابه ”الواقعية الرأسمالية“، يعبّر “مارك فيشر” أكاديمي وفيلسوف إنجليزي عن هذه الظاهرة من خلال الإشارة إلى أن تخيل نهاية العالم أسهل من تصور نهاية الرأسمالية. يسلط هذا الاقتباس المهم الضوء على التأثير المتفشي للأيديولوجيا في تشكيل أدواتنا التحليلية واستبعاد إمكانية تصور هياكل اجتماعية واقتصادية بديلة. في جوهرها، تعمل الأيديولوجيا كشكل من أشكال العنف الرمزي الذي يديم هياكل السلطة القائمة ويجعلها تبدو غير قابلة للتغيير، والأهم من ذلك، تجعلها طبيعية ومعتادة. أحد التجسيدات السينمائية لهذه القوة الشمولية للأيديولوجيا هو فيلم ”ماتريكس“، الجزء الأول من إخراج عائلة واتشوسكي. في هذه الرواية الديستوبية، يهيمن على البشرية واقع محاكاة خلقته آلات واعية، حيث يعجز معظم الأفراد عن إدراك أو تصور وجود بديل خارج حدود الماتريكس. على الرغم من أنني أختلف في إمكانية إدراك هذا الفصل الواضح بين الواقع والمحاكاة، إلا أن الفيلم بمثابة رمز قوي للهيمنة الشاملة للأيديولوجيا، حيث تصبح الحدود بين الواقع والوهم والحرية والخضوع ضبابية بشكل لا يمكن تمييزه. 

                                                      


    جي ديبورد    


   أخيرًا، هناك سؤال لطالما شغل المفكرين الماركسيين وهو كيفية تحدي ومواجهة اللأيديولوجية المهيمنة بشكل فعال. وتفترض إحدى المقاربات أن إنتاج أعمال نقدية تواجه وتفضح آليات الأيديولوجيا المهيمنة بشكل مباشر، مثل كتاب ”مجتمع الفرجة“ "لغي ديبورد" أو كتاب ”الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية“ "للويس ألتوسير" وكلاهما ماركسيان بنيويان فرنسيان بارزان يمكن أن يعمل عن طريق بناء الوعي لدى الناس على إضعاف سلطتها على المجتمع. ومع ذلك، هناك مخاوف من أن مثل هذه الجهود قد تعزز وتعيد إنتاج هياكل السلطة ذاتها التي تسعى إلى تفكيكها عن غير قصد، وذلك من خلال الانخراط في صراع جدلي داخل حدود الأطر الأيديولوجية القائمة. وبعبارة أخرى، قد يساهم فعل المقاومة عن غير قصد في إعادة إنتاج الوضع الراهن وتعزيزه بدلًا من إحداث تغيير تحويلي حقيقي. بدلاً من ذلك، يجادل البعض باستراتيجية السماح للمنظومة بالوصول إلى حدودها القصوى من الفحش وبالتالي خلق الظروف لظهور شيء جديد وتحويلي. تقترح هذه المقاربة أنه بدلاً من معارضة الأيديولوجية السائدة بشكل مباشر، يجب أن تركز الجهود على تعزيز الظروف لظهور التغيير الجذري بشكل عضوي من داخل المجتمع، إن كانت موجودة اصلا




  

لويس ألتوسير



                                                                                                              

References

Althusser, L. (2012). Ideology & ideological state apparatuses: Notes towards an investigation. Critical Quest. 

Baudrillard, J. (2020). The system of objects. Verso.

Baudrillard, J. (2020a). Simulacra and simulation. The University of Michigan Press. 

Debord, G. (1977). Society of the spectacle. Black and Red. 

Derrida, J. (1984). Of Grammatology. Johns Hopkins Univ. Pr. 

Fisher, M. (2022). Capitalist realism: Is there no alternative? Zero Books. 

Žižek, S. (2009). The sublime object of ideology. Verso. 

Zizek, S. (2012). The Pervert’s Guide to Ideology. Video. Youtube link. https://www.youtube.com/watch?v=NrnJw-HNI3A

 
 
 

Comments


CONTACT US VIA EMAIL

Thanks for submitting!

© 2023 By Studio Akef Productions. Powered and secured

  • Instagram
  • YouTube
  • Facebook
  • Twitter
bottom of page